Arabic Nadwah

مرحباً بكم في منتدى الندوة العربية
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  قائمة الاعضاءقائمة الاعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخول  

شاطر | 
 

 حديث الطواف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
هاشمي غزلان



عدد الرسائل : 6
تاريخ التسجيل : 28/05/2009

مُساهمةموضوع: حديث الطواف   السبت يوليو 25, 2009 4:17 pm

و أخيرا أعلن انتصاري على تواطؤ الكلمات...انفردت بلحظة الرصيف...أنتقي بتعمد كل الحصى المتناثر...فسخرت مني كلّ خطواتي...ساعتها فقط أدركت أنني استعدت الصفحة الأخيرة من ذاتي،...تلك التي تسللت في احتشام لتحاكم التاريخ...فتضع قلمي أمام المشنقة...أحسست بحاجة كبيرة إلى البكاء...لم أتمالك نفسي في تلك اللحظات فانفجرت ضاحكا!!!.
تعثرت بمدامعي فكدت أن أسقط...و احتميت بسيل من التعزيات التي كنت أعلم زيفها...لكن بريقها أغراني إلى حد تبادل اللكمات الصوتية...أذكر كيف تلقيت نبأ موت "فارح" قبل أيام...ذلك الذي أتعبه المساء إلى حد تكلّف البسمات و ادّعاء الصمم...قيل لي أنّ موته صدفة...فعرفت أنّنا سنموت كلّنا يوما مصادفة ككلاب الطريق...ركبت هواجسي ولأن الطريق طويل أخذت أحسب عدد الأيادي و ألاحظ باستغراب كيف تختلف ألوانها، من بيضاء لحمراء لسوداء، ثم شدّ انتباهي عدد الأصابع، فهناك من يمشي على يد واحدة وهناك من يمشي على يدين و آخر على أربع ،و هناك من يمشي على العدم يسابق الريح في رحلة دونكيشوتية، و يتودد إلى الموت على مسلك الانتظار...شعرت بدوار إزاء العد فعدلت ببصري ناحية الرصيف الآخر...هناك شدّني منظر البحر و على الشاطئ رجل مجنون ...يحاول باستمرار أن يملأ دلوه بماء البحر، ثم يصبه على صخرة عالية، فينساب الماء متحديا بالرجوع و العودة إلى سلطة البداية...كان يصرخ بأعلى صوته:
أقسم بأنّني سأفرغ البحر من حمى الانتظار...لن يكون له وجود بعد اليوم...سأعيد إلى المدينة صفاء العدم و طمأنينة الرحيل...و أعلق فوق أستار الهواء لافتة تعلن عن استقالة الربيع...سأبهر الجميع بتصفيقات لاهثة تندثر معها الآفاق...و تكتنف المساء بقبلات عاجلة...لترخي ستارها على الدنيا...فيهلك من هلك على بيّنة...و يحيا من يحيا عن جهالة...أيها الناس هاكم صرحي و تماثيلي...فلم يعد لي حاجة بفمي و لساني...لقد اخترت...و في اختياري يقين و عدم اختيار...!!!"
كان الطريق يهديني كل يوم تكشيرة...تنم عن وجع مشمئز في ثنايا المدينة...قد غابت الملامح عنها حتى أضحت بتبرجها الساخر مطمع المحتضرين و الغائبين عن الوعي...عند الغروب وقفت طويلا متأملا تسلل الظلام في مكر إمبريالي...يحتضن الشمس ليسفر عن طول انتظار...و يفصح عن ديكتاتورية الأمل...كان المغيب مبهرا...لولا...قررت العودة قبل أن أصطدم كما العادة بأصوات القبور و تنهيدات البحر...كنت دائما حليفا للغروب...إلى أن أدركت أنه يضرب سياجه احتماء من لعنة الحزن و تمهيدا لسلطة الصمت و الموت...سلطة الليل...سمعت صوت خطوات مبعثرة...يأكلها الاضطراب...فعرفت ضيف أحلامي ..."شق بن أنمار"...أصبحت لا أتفاجأ من وجوده...و تعودت أن أرى نصف ابتسامة تضمر التودد لحالة العدم المجلّى.
- أهلا بعودتك يا أبا تراب...كنت في انتظارك.
- و هل رحلت حتى أعود؟!
- كلنا نرحل ثم نعود...تستنجد بنا اللحظات في شبه إغماءة...لتعلمنا تحية الانصياع...و يأخذنا النسيان إلى حدود المنتهى...أين تتلعثم النكسات...ثم يقودنا الفكر في تجبر إلى قيود الذكرى...لا يريدوننا أن ننسى يا صديقي...حانت الآن لحظة الحساب ... هل قلت الحساب ؟ ! لا عفوا بل لحظة الانسحاب .....لنترك الدنيا تلعب على منطق واحد...منطق كربلاء.
- لما هذا التجهم؟!
- لست أسعد حالا منك...اليوم حدثت لي نائبة...هناك عند زرقة الانكسار...امرأة أرادها البحر قربانا ليثبت براءة الغموض و عظمة الانتصار...كانت تنظر إليّ و تصرخ بشدة مستنجدة بي...و عندما حاولت أن أمدّ إليها يدي فأنتشلها من جحيم العواصف تواطأت نفسي مع النكران و خانتني الحقيقة في تبجح سافر...فشلت في إنقاذها ...لأني تذكرت أن لي يد واحدة...أتعرف كيف انتقمت من عجزي؟! ...أردت أن أثبت لنفسي جدارة الحياة...فأحدثت جرحا في يدي الوحيدة...و بدمها المتساقط رسمت يدي الثانية على رمال البحر...فما أفقت إلا و قد ضيعتها ...قطعت يدي الوحيدة أيضا.
لم أجرؤ على النظر في وجهه بعد ذلك...فتجولت ببصري في ثنايا السماء...بحثا عن نجوم أعدها ...إنّني أعلم أنّه يكره التعزيات...لم أفق إلا على خطواته الراحلة بعيدا في فضاء رحب. و صوته المتباعد يكلمني بأشياء لم أفهم منها إلا شبه كلمات متقطعة.
- أبا تراب لا تحاول أن تكسر حدود الزمن...طاوع القيود و تظاهر بالرحيل...فتحت السماء ينجلي الشك...و يضفي التمرد إلى حالة غثيان...إنّك لن تجرؤ على إتمام الطريق إلا إذا أتقنت اللعبة...سابق القوانين و تكسّب بالطواف حول الحجر الأحمر...و ستدرك في النهاية أن شارة التطويع...قد أغفلت عنك عيون الآلاف من سادة الكبرياء.
فهمت جيدا قصده...و حينما أدركت الرحيل...لاح ببصري طفل لا بد أنه قربان جديد ...أخذ يصرخ و يستنجد...تذكرت ما قاله صديقي قبل قليل...فتظاهرت بعدم الاكتراث و انصرفت أصفق بيد "شق" المفقودة...حتى اختفى صوت الطفل و غارت ملامحه عنّي!
هاشمي غزلان ـ المركز الجامعي سوق أهراس ـ الجزائر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
حديث الطواف
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
Arabic Nadwah :: ندوة :: قصة قصيرة-
انتقل الى: