Arabic Nadwah

مرحباً بكم في منتدى الندوة العربية
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخول  

شاطر | 
 

 الإنسانية ، الطبيعة ، عالم يسوده الوئام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سيد جودة
Admin
avatar

عدد الرسائل : 21
العمر : 48
Localisation : هونج كونج
تاريخ التسجيل : 21/05/2007

مُساهمةموضوع: الإنسانية ، الطبيعة ، عالم يسوده الوئام   الأربعاء سبتمبر 05, 2007 9:24 pm

الإنسانية ، الطبيعة ، عالم يسوده الوئام*
سيد جودة - مصر


كثيرٌ من الأشياء تفرقنا ، وتجعلنا نبدو وكأننا في اختلافنا محالٌ أن نلتقي. من هذه الأشياء اللغة ، الدين ، التاريخ ، الوطن إلخ. على الرغم من كل هذه الأشياء التي قد تباعد ما بيننا إلا أن هناك عاملاً مشتركاً بين كل الأجناس برغم كل هذه الاختلافات ، ألا وهو عامل الإنسانية. فكلنا بلا شك ننتمي إلى الإنسانية ديناً لا نختلف عليه ، ولغة نفهمها جميعاً ، وجنسية نحملها ، وكوكباً واحداً يجمعنا.

هذه الإنسانية التي تذوب في بوتقتها كل الفروق هي الأمل الأوحد من أجل عالم يسوده الوئام والوفاق. الإنسانية هي الوطن الأكبر الذي نولد منتمين إليه دون حاجة إلى جواز سفر أو بطاقة إثبات هوية. أرض هذا الوطن هي الطبيعة بأسرها ، بأخضرها ويابسها ، بأرضها وسمائها ، ببحارها وأنهارها. وكما يشعر الفرد بالوطنية تجاه قطعة أرض ما ويدافع عنها بالرخيص والغالي ، فإنه من الواجب على كل إنسان أيضاً أن يدافع عن وطنه الأم ألا وهي الإنسانية ، وعن أرض هذا الوطن ألا وهي الطبيعة أينما كانت ، فيصبح واجباً إنسانياً أن نحافظ على الهواء ونقائه ، وعلى الأرض وخضرتها ، بل على الغلاف الجوي للكرة الأرضية التي ستتعرض لكارثة إن لم نسارع بوقف التلوث البيئي الذي يعد كساعة رملٍ منذرةٍ بالخطر الذي يقترب ببطءٍ من كوكب الأرض. بل واجبٌ علينا أيضاً وقف التجارب النووية ونزع السلاح النووي من أي بلدٍ يمتلكه بلا استثناء ، فليس من الحكمة إعلان الحرب على بلد بدعوى محاولة امتلاك سلاح نووي وغض الطرف عن بلد آخر يمتلك ترسانة من الأسلحة النووية تكفي لتدمير الكرة الأرضية عدة مرات! إنها كارثة محدقة بنا وإن لم نسارع الآن بوقف هذه الانتهاكات بوازع من ضميرنا الإنساني فقد يكون الوقت متأخراً لاحقاً.

إن الانسجام القائم بين الإنسان والطبيعة يترتب عليه انسجامٌ و وئامٌ في علاقة الإنسان بالإنسان. ولهذا نجد في ثقافتنا الإسلامية اهتماماً كبيراً بالإنسانية والسلام بين الناس ، يتجلى هذا في تأكيد النبي محمد بأن من قتل نفساً بغير ذنب فكأنما قتل الناس جميعاً ، وتأكيده كذلك على ضرورة معاملة أسرى الحرب معاملة إنسانية وكأنهم ضيوف علينا. واهتمام الثقافة الإسلامية لا يقتصر على الإنسانية فحسب بل يشمل الطبيعة أيضاً. يكفي القول بأن من توصيات النبي محمد أثناء الفتوحات الإسلامية هو عدم اقتلاع أية شجرة وعدم تدمير أية كنيسة أو معبد في أي بلد. تأتي هذه التوصيات في وقت كانت فيه الثقافة العسكرية -ولا زالت عند الكثيرين- هي التدمير الشامل بمجرد الانتصار، والأمثلة التاريخية كثيرة نذكر منها على عجالة ما حدث لمدينة القدس عاصمة فلسطين عند غزوها ، وكذلك ما حدث لمدينة ليسبون عاصمة البرتغال عند سقوطها على أيدي الجيوش الصليبية.

هذا التأكيد على احترام الإنسانية والطبيعة نابعٌ من إيمان الإسلام بقداسة الروح الإنسانية ووجوب احترامها أياً كانت ديانتها أو جنسيتها ، ونابعٌ كذلك من الإيمان بضرورة الحفاظ على الطبيعة والتي تكمل دائرة الحياة مع الإنسان. يقول النبي محمد ما معناه إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة ٌ فليغرسها. أي حتى لو كان غرس بذرة هو آخر عمل في الحياة فليعمله الإنسان قبل موته. وهذا الاتجاه نحو الحفاظ على الطبيعة ينعكس على علاقة الإنسان بالكائنات الحية الأخرى في الكون ، فمعاملة الحيوان معاملة حسنة ورحمتها من تقاليد الإسلام الأصيلة حتى أنه أخبرنا أن امرأة ستدخل النار بسبب تعذيبها لقطة. وهذه الرحمة التي يجب على الإنسان إظهارها للحيوان تظهر فضائلها كذلك في علاقة الإنسان بالإنسان. يقول النبي محمد إن الدين المعاملة ، فجوهر الدين الحقيقي هو في المعاملة الحسنة لغيرك من الناس ، وفي موضع آخر سئل عن امرأة تصلي وتصوم وتؤذي جيرانها فقال هي في النار. فالدين ليس مجرد شعائر يؤديها الإنسان بل هو أخلاق ومعاملة حسنة للإنسان أياً كانت ديانته وجنسيته.

هذا الانسجام بين الإنسان والطبيعة أكدته أيضاً كل الفلسفات الصينية القديمة: فالكونفشيوسية أكدت أن الإحسان تجاه الناس ومخلوقات الطبيعة إنما يكون إحساناً تجاه كل شيءٍ في الكون ، والطاوية جعلت قانون الطبيعة هو المبدأ الأعلى الذي يحكم الكون والمجتمع البشري بل إنها تؤمن أن الانسجام بين الطبيعة والإنسانية أهم من العلاقات الطيبة بين الناس ، أما البوذية فتقول بأن كل المخلوقات مولودة متساوية ولها الحق في الحياة. ومن المعروف أنه في العصور القديمة أصدرت الأسر الحاكمة في الصين قوانين تدعو لاحترام الطبيعة والحفاظ عليها.

إن هذا الانسجام بين الإنسان والطبيعة يقارب ما بينهما ، ويجعل الإنسان كالشمس في الطبيعة التي تشرق على كل البشر دون تمييز بين من يمتدح دفأها ومن يلعن حرارتها. هذا هو المقصود من أن الانسجام بين الإنسان والطبيعة سيعود بالتآلف في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان ، وفي علاقة الإنسان بكل شيء في الكون. حين نقرأ شعر الشاعر الهندي العظيم طاغور وكيف في شعره يستنطق الأزهار والطيور والفراشات ، وكيف يحس بالنبات والزروع والأنهار، وكيف يحاور الحجر والجماد وكأنه كائن حيّ. يقول طاغور في قصيدة له:

الفنان عاشق الطبيعة ،
لهذا فهو عَبْدُها ،
وهو أيضاً سيدها!

في قصيدة أخرى يقول:

أيتها العشبة الصغيرة
صغيرة ٌ خطواتك
ولكنك تمتلكين الأرض من تحتك!

وقصائده في الطبيعة كثيرة ، والتي ندرك من خلالها كيف أن هذا الشاعر العظيم قد أصبح شاعراً كونياً ، دينه هو الإنسانية والطبيعة. وكذلك نجد هذه العلاقة الحميمة بين الإنسان والطبيعة في الشعر الصيني الكلاسيكي بشكل كبير لا يتسع المجال هنا لمناقشته تفصيلاً ، ولكن لو أخذنا مثلاً شعر الشاعر الصيني العظيم "لي باي" فسنجد أن المئات من قصائده تتناول الطبيعة كعنصر أساسي تدور حوله القصيدة ، لا مجرد أداة للتشبيه بمحبوبة كما يحدث في الشعر العربي مثلاً.

ولكن ما هو دور الشعر في الحفاظ على رباط الإنسانية بين الإنسان والإنسان ؟ لا أبالغ إن قلت إن الشعر له الدور الأكبر في التقريب بين الأجناس البشرية المختلفة. يجمعنا الشعر تحت جناحيه فننسى كل الاختلافات التي تقف بيننا ، وتنهدم كل الحواجز ونصبح مواطنين في إمارة الشعر دون حدود تفصل بين هذا وذاك. الشعر هو الذي يذكرنا بإنسانيتنا فيقرب ما بيننا. ولقد أصاب الشاعر الصيني الكبير شوشيانج تشنج 舒巷城 حين أنشد قائلاً:

الشعر لا يهدي إلينا 诗送给人类的
ذهبة ً أو فضة ً 不是黄金,不是白银;
الشعر لا يهدي سوى 啊,它送给人类的
قلبٍ جميلْ! 是一颗美丽的心!

نعم ، الشعر لا يهدي سوى قلبٍ جميلٍ ، وهذا القلب الجميل هو الذي يستطيع أن يمنحنا عالماً جميلاً ، عالماً قوامه الحب والاحترام المتبادل فيما بيننا كجنس بشري واحد. إن اختلافات اللغة والدين والتاريخ فيما بيننا قد تكون عنصراً جمالياً لحياة الإنسان إن لازمه احترام ثقافة الآخرين دون محاولة لفرض ثقافة ما على سائر الثقافات.

نشرت مجلة أمريكية أن الجنود الأمريكيين المتواجدين في العراق يمرون بحالة نفسية متعثرة واكتئاب واضطراب نفسي نتيجة للأوضاع التي يعيشون في ظلها في العراق ، فنصحهم الأطباء النفسانيون المشرفون على علاجهم بكتابة الشعر لأن الشعر سيخفف من حدة التوتر الذي يعيشون فيه ويساعدهم على تحمل المشقة التي يمرون بها. ومؤخراً قرأت في جريدة أمريكية أن المسجونين في سجن جوانتانامو قد كتبوا قصائد شعر وسوف تصدرها لهم في كتاب دار نشر أمريكية. إن دلَّ هذا على شيءٍ فإنما يدل على أن الشعر حاجة إنسانية ملحة لا يمكن الاستغناء عنها ، بل كلما ازدادت حياة الإنسان مشقة وصعوبة كلما ازدادت حاجته للشعر كمتنفس طبيعي لهمومه وكدليل على بقائه إنساناً ذا وجدان حيّ.

وعلى الرغم من أن أفلاطون أخرج الشعراء من جمهوريته ، إلا أن جوته حين سئل عن الشعر وهل ما زال له وجود وقيمة ، رد قائلاً: ما دام الربيع يأتي كل عام ، وما دامت الأزهار تتفتح كل ربيع ، فسيبقى للشعر قيمة و وجود. هذا ما يؤكده التاريخ الذي يغير جلده بين الحين والآخر، ولكن تبقى احتياجاته كما كانت منذ آلاف السنين. ربما تظهر احتياجات جديدة ، ولكن احتياجاته الأساسية تظل كما هي. مما لا شك فيه أن الشعر حاجة ضرورية لازمت الإنسان منذ قدم التاريخ. لو اتخذنا الحضارة المصرية مثالاً بوصفها أقدم حضارة عرفها الإنسان فسنجد أن المصري القديم ترك لنا شعراً في غاية الرقة وكأنه كتب في عصرنا الراهن. نفس الشيء نجده في الصين والتي تعد الدولة الوحيدة التي لديها أدبٌ مكتوبٌ بلغة واحدة لأكثر من ثلاثة آلاف سنة متواصلة.

إن الشعر كان دائماً لسان الأمة و روحها ، وهو الذي عبر عن أحلامها وفلسفتها ، وكان دائماً جسراً ثقافياً وروحانياً بين الأمم المختلفة مقرباً ما بينها ، وجامعاً إياها في رحاب الإنسانية. إننا بالشعر ندرك إنسانيتنا ، ونحقق هويتنا الخاصة بكل منا كأمة مختلفة عن الأمم الأخرى ، ولكن هذا الاختلاف يصبح في رحاب الشعر رباطاً جميلاً يجمعنا في بوتقة الإنسانية في إطار من الحب والسلام والوفاق بين الإنسان وأخيه الإنسان. لكن هذه الإنسانية لن تنعم بوئام حق وسلام شامل إلا بنبذ أسباب الصراعات التي تنشأ بين الأمم ، فيرحل المحتلون عن الأراضي التي اغتصبوها زوراً وبهتاناً وعدواناً ، ويعود أصحاب الأراضي إلى أراضيهم التي سُلِبَتْ منهم ، حينئذ فقط سيكون هناك أملٌ في سلام عادل وشامل ، حينئذ فقط ستنعم الإنسانية والطبيعة بانسجام و وئام ، وعندئذ تكون حياة.

 

* كُتِبَ هذا المقال خصيصاً لمهرجان "بحيرة تشنج هاي" العالمي للشعر الذي أقيم في الصين في الفترة من 7 إلى 10 أغسطس 2007. كان موضوع المهرجان هو نفس عنوان المقال.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.arabicnadwah.com
 
الإنسانية ، الطبيعة ، عالم يسوده الوئام
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
Arabic Nadwah :: ندوة :: مقالات أدبية-
انتقل الى: