Arabic Nadwah

مرحباً بكم في منتدى الندوة العربية
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخول  

شاطر | 
 

 من حكايات النهر (1)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
دكتور : محمد ربيع هاشم

avatar

عدد الرسائل : 4
العمر : 46
Localisation : مصري
تاريخ التسجيل : 25/06/2008

مُساهمةموضوع: من حكايات النهر (1)   الأربعاء يونيو 25, 2008 7:39 am

قال أحد أبنائي :
_ يا أبي أحب ، حبيبتي بلون القمر ، عيناها زرقاوان بلون السماء ، وفمُها مرسومٌ كأنه تاجُ المُلْكِ ، وخدودها بركانٌ ثائر ، أنفُها يهبط فيكمل صورة الأميرة ...
نعم يا أبي هي الأميرة ، كنت أظن أن من تهزمني يا أبي لابد وأن تكون أميرة ، هكذا قالت لي أمي عندما وعيت لنفسي " لقد بشرتني بك في المنام امرأةٌ ترتدي الملابس البيضاء ، قالت لي سيرزقُكِ الله بجوهرةٍ وها أنا أنجبك " .. وأصبحت شاعراً يا أبي أبكي للقمر ، وأقف مشدوها أمام البحر ..
قلت لنفسي إنني مملكةٌ لا تدخلها إلا أميرة ، إنني الأميرُ المعتمد الأندلسي ، أو حتى وزيره الطموح ابن عمار ..
لست أدري لماذا تشدني منال هكذا يا أبي ، إنها تبعث في نفسي ذكريات كثيرة ، وتأخذني معها إلى حيث تهزمني
تجعلني تماماً كالعصفور المحبوس ، لم أعهد في نفسي هذا الضعف يا أبي ، لم أكن في أي يومٍ من الأيام ضعيفاً ، إذا كان الدمعُ تعبيراً عن العواطف الجياشة فأنني أعتبره ضعفاً ، وإلا لماذا لم أبكِ على واحدةٍ ممن أقمن معهن علاقةً قبل أن تأسرني هي يا أبي ؟؟ . قرأتُ لشاعر النيل : " ودمع العين مقياسُ الشعور " وبكيت مع أنات فيرلين في سجنه :

Je pleur dans mon Coeur..
Comme il pleut sur la ville
Quelle est cette langueur
Q p enetre mon Coeur
الدموع لا تفارقني يا أبي ، بها أقضي الليل ، وبها أتعجل يوم لقائنا ، حتى حين نلتقي أراني أبكي .. وأبصر عينيها هي أيضا وقد شارفتا على البكاء ..
قال أحد أصدقائي : " البنت تبحث عن زوج لا حبيب ، والرجل يفكر في قضاء حاجته فيمن يحبها .. ثم قال مازحاً : هوقيس اتجنن من شوية ؟ "
وقال فرويد " الجنس غريزة " وعلى أساس نظرية الجنس قام بتفسير الأشياء والظواهر .. وغنى عبد الوهاب بنص حسين السيد " وعشق الروح مالوش آخر لكن عشق الجسد فاني "
قال النهرُ : المتناقضات تزحف على الإحساس ، حتى الإحساس لم تهمله المتناقضات .. هل تصف لي يا ولدي شعورك وأنت تجالس حبيبتكَ ؟؟
_ لست أدري يا أبي لماذا كنت أردد في نفسي شعر بن الفارض وكأنه النشيج يتصاعد : "
هو الحب فاسلم بالحشى ما الهوى سهلُ
وما اختاره مضناً به وله عقلُ
فـعـش خالياً فالحـب راحـتُه عنا
وأولُـه سُـقمٌ وآخرُه قتلُ "
كنت أطيل النظر إلى عينيها ، أُكثر من الجدال معها ، لم أحاول يوما يا أبي النظر إلى أردافها أو ثدييها ، أو حتى لمح شفتيها المكتنزة ، كان استئناسي بها استئناساً روحياً لا احتفاءً جسدياً ... أحادثها عن طموحي أن أصبح أستاذاً جامعياً ، شاعرا كبيراً خالداً ، إنساناً مرموقاً .. أن أصبح إليوت ، شوقي فيرلين ، بوشكين ، الكواكبي ، ابن عربي .
أن أكون يوربيدوس ، الشاطر حسن ، خالد بن الوليد ، المتنبي ، أبا فراس الحمداني .... أن يجمعنا الحب ...
قلت لها سأتحدى بك الزمان والمكان .. حبُك سيهبني قوتي الرادعة وفكري المستنير .. سأفتح بك أقفال التاريخ لا لأعيده وإنما لأقارنه بإنجازاتي ومددت إليها يدي يا أبي لتعاهدني ، كانت تظنني أبغي الملامسة وتحسس يديها خلسة .
قلت : ألا لعنة الله على فرويد ، هل يتبدل الحب إلى خشية ؟ أتصبح سياسة قلب المائدة هي كل شيء ؟ الهرم يقف على رأسه لا على قاعدته ؟ حتى فكرة راهب الفكر وفتاته تغيرت في الرباط المقدس فلماذا أنا ؟
الصوفيون يؤمنون أن الحب يفتح أبوابا عدة للولوج ، أما حبيبتي فكانت تؤمن أن للحب طريقا واحدا فقط هو الزواج .. الإخلاص للزوج وحده ، الحب خطأ ، والعاطفة حرام .. الشرعية مع الزواج فقط هكذا كانت أفكارها التي تربت ونشأت في ظلالها ..
قال النهرُ : وكأنك عثرت على إبرة في كوم قشٍ ، " الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم صدق الله العظيم "
لقد استحالت الأمنية جوهرة بين يديك ، إنها نفحةٌ من أمك القرية ، رسالة وصك غفران ، إنها عروسُ نيلٍ ، الأميرة ذات الهمة .. رفيف ملائكي اختصك الله به ، هل تقبض على الماء ؟ أم تلحم يديك في هذه الجوهرة الهدية ؟
_ كان أمامي لأنجز طلبها زمنٌ ممتد .. إنني حاصلٌ على الماجستير يا أبي ولا زلت عاطلاً ، تقديراتي الجامعية عالية جداً .. بمقاييس التفوق كنت جديرا بأشياء كثيرة ، العمل بالجامعة والالتحاق بوظيفة مرموقة ، الاهتمام بنبوغي ومساندة طموحي ، استغلال فكري وعقلي !!
إن شيئاً من ذلك لم يحدث يا أبي ، إنني في الشارع أخفي كمدي ، زملائي أصبحوا (شيوخ منصر) ، إنهم يسرقون أموال السارقين ، إنها بداية الجريمة المنظمة حين تتحول العقول الجامعية إلى عقول إجرامية ، الإرهاب تصنعه هذه العقول يا أبي .. إنه الفجوة بين الحلم وبين سبل تحقيقه .. بين الفعل وبين رد الفعل .. سياسة اللاسياسة .. والتخبط الاستعماري المرير ... هذا توارث الخلافة عن أبيه ، وذاك توارث البطالة عن عائلته .. فجوة سحيقة يا أبي .
هل تجمعني بحبيبتي (عشة) ؟؟ أم نظل في علاقة رسمية وننفصل ؟؟ .. هل نشبع عاطفتنا أم يقتلنا الحلمُ ؟؟ خيوط واهنة يا أبي وخواء أبدي ..
لابد من تحطيم سجن الباستيل ، لابد من تأديب مماليك القلعة ...... لابد من الحب
شيء غريب أن يجتمع الحب والعنف ، لكنها معادلة صعبة جدا يا أبي . إنها لغز مبهم فمن يحب هذه القرية لابد وأن يستخدم العنف مع أهلها .. يلزمنا كرباجُ محبٍ ... يلزمنا كرومويل جديد ليعلمنا كيف علم الجمهورية الانجليزية النظام والحب والصدق والتقدم ؟؟
تسألني حبيبتي يا أبي : ماذا بعد ؟؟ لابد من حل ...
هناك برنامج تليفزيوني اسمه (الحل هو الحبل) .. اليائسون يقولون : "هو حبل المشنقة لنا ـ نحن المنخاذلين ـ " والإسلاميون يقولون : " هو حبل الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق " .. الاستبداديون يقولون : " هو حبل الملك ، إننا نحب مليكنا حفيد الملك وقاهر العِدا " .. الماركسيون يقولون : " الحبل هو رباط العمال ضد البرجوازية " .. والوجوديون يقولون : " هو حبل انفرط مطلقا الحرية في اللهو ، والبحث عن تاريخ جديد "
قلت لها يا أبي : لقد بالغنا التقدير يا حبيبتي .. الأمر أهون من كل ما فكرنا به ، مصيري أجهله ، ومصيرُكِ الوقت ، ومصيرنا جرحٌ عميقٌ غائرٌ ينهش مشاعرنا ..
هل نقول : لقد وجدت الغرب الحل في الإباحية ؟؟
أم نهتف : العفاف ينتهي بنا إلى الجنة ؟ .... الطوائف الثلاث : حيوان ، إنسان ، ملاك .. الإنسان إما حيوان أو ملاك .. هل حرام أن يصبح الإنسان إنسانا ؟؟!!
إمامُ قريتنا يهتف : " اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحبه وترضاه لنا " .. الخوارج ينادون بسل السيف .. والإسلاميون يقولون الدين النصيحة ..... الإرهابيون خونة ، أعوان جهات خارجية لكنهم ليسوا إسلاميين
الحب عاطفة لكنه ليس زواجاً فقط ، الشعر حروف لكنه ليس ثورة ، لابد من التغيير .. المصير حالك يا أبي حالك.
أفلاطون أخرجنا من جمهوريته بحجة أن الشعر محاكاة المحاكاة والشاعر كائن مجنح مضيء مقدس ليس له ابتكار أو خلق ولكنه مجرد وحي يتأثر ويحكي.
وأرسطو قال : " الشعر ضرب من ضروب المحاكاة ولكنها ليست المحاكاة التي تطابق الأصل تمام المطابقة ، فمحاكاة الشعر للطبيعة تبدل وتغير فيها "
إيسخولوس تقليدي ، وكذلك أبو تمام ، والبارودي ، وشوقي ، وحافظ ، والبوصيري ..... يوربيدوس حداثي ، وكذلك ابن الرومي ، وأبو نواس ، والأندلسيون ، والصوفيون ، والسياب ...
بودلير مبتدع الاتجاه الرمزي ، ولامارتين ملك الرومانسية ، رامبوا (فلتة) عصره .......
الشعر المنثور تسميةٌ مغلوطة .. أدونيس السبب في هذ الخراب .........
العقاد خسر المعركة حين هاجم الشعر الحر ، الحساسية الجديدة قادمة وبقوة ، البنيوية وما بعد البنيوية ، التفككية .. الصور الشعرية المهترئة .. الشعر العمودي الرتيب.
الله يقول : [ والشعراء يتبعهم الغاوون .. ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون .. وأنهم يقولون ما لا يفعلون .. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ]
هل هذا هو دورُنا يا أبي ؟؟ هذه المشاكل الثقافية المتشابكة ؟؟ أين ثورية الشعر ؟؟ أين دورُه؟ .. أين روحُ الكلمات التي شعر بها موباسان؟؟!!
قال النهرُ : مشتتٌ أنت يا بني ... حبيبتك ، الوطن ، معاركك ....
القريةُ مفطورة ، مياهي تتلوى ... : [ كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ]
ـ المسافات قاتلة يا أبي .. الليلُ نصفُ نهارٍ ، والنهارُ معلقٌ على مذبح الافتراء ......
لازالت حبيبتي تسألني عن الحل ؟؟! ... عن الخروج من هذه المتاهات المظلمة ؟ .. عن النجاة.
تقدم لها اليوم رجل مترهل الجسد والمال .. هارب من الطاعون الذي أصاب القرية .. تسول مال الغربة والتشرد ، عقلُه تافه وثقافته ضحلة .. ليس يفكر إلا في معدته وما بين فخذيه .. ولازالت حبيبتي تسألني عن الحل ؟؟؟؟
تسللتُ أرقب يوم عُرسها المُبهر .. الخواتمُ الذهبية والسيارة الفارهة ، الفستان الأبيض شمعة تحترق ، والنجوم تخرج لي يدها خالية الوفاض ....
إن قيساً روحٌ تهيم على وجهها في البراري مع الوحوش الضارية ، هل خلدته قصائدُه ؟؟ أم قتلته قلةُ الحيلة ؟! العجز الشديد وقلة الحيلة ؟
الآن يلمس يديها ، يمص شفتيها ويدلك أفخاذها الطرية بأصابعه ... النسبة متباعدة تماما ..........
هذا شاعرٌ ولد بها وقضى عمره معها ، وهذا الممول دفع المكوس ونال محظيته
الموسيقى تطن ، وأشباح تغني : ( دا موش نصيبي لكن حبيبي خليك بعيد )
الكلمات تُذبح ، والخيالُ سرابٌ ... لم يبق سوى تقمص دور المجاريح !!
تكسرت أصابع الديناميت داخلي ، الأسئلة تقضم ما تبقى من صبر ... من السبب ؟؟ يحق لي أن أهتف بصوتٍ عالٍ : إنها الرفاهيةُ ، حرية الكلام وإثارة الفوضى ... إنها الديموقراطية وعهد الفاشية ، النازية الجديدة ... رسالتي للدكتوراه ، وعيون حبيبتي جبٌ عميق الغور ... هذا التشرد ، وهذا اليأس المتسلل داخلي
كان صوتي عاليا ، ودموعي تبرق ويضج بها الرعدُ ، لقد أصبحتُ وحشاً ، الرجل الأخضر أو سوبر مان ، أصبحت حانقاً ... أهكذا تتبدلُ عقائدي داخلي ؟؟
فليسقط الظالمون ، رب ارزق حفيد الملك ببعوضة النمروذ فلا يفيق من علاّته إلا إن ضُرب بالأحذية ... سيكون حذائي قاتله ، سأنفض فوقه سبع جمرات وعشرة أسياخ مدببة ، سأجعله يرفس كالحمار ويترنح كالعليل السقيم.
ويلتقطني بعضُ السيارة من هذا الجب الضيق إلى حيث أجد حجرةً مظلمةً تلتهم وجهي فيها قبضاتٌ حديدةٌ ، وصوت رائع خاشع يرتل القرآن الكريم : [ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تُظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبةٍ من خردلٍ أتينا بها وكفى بنا حاسبين
]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.poems.mam9.com
هاشمي غزلان



عدد الرسائل : 6
تاريخ التسجيل : 28/05/2009

مُساهمةموضوع: رد   الثلاثاء يونيو 30, 2009 10:07 am

السلام عليكم:تمثل هذه القصة ازمة المثقف العربي الذي تتاْرجح ذاته بين كينونة مفتوحة هي عالم الابداع والحلم وكينونة مغلقة هي عالم الواقع المعاش الذي يشكل خيبة ازاء امل مرجو وحلم مؤجل على حافة الانتظارلذا كثفت في هذا النص الرموزباستحضار مسميات ثقافية وتاريخية كثيرة،هذا النص الثري نتمنى اْن نشهد اْجزاءه الاْخرى مع مزيد من التواصل.
هاشمي غزلان ـ المركز الجامعي سوق اهراس ـ الجزائر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
من حكايات النهر (1)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
Arabic Nadwah :: ندوة :: قصة قصيرة-
انتقل الى: